الشيخ بشير النجفي

104

بحوث فقهية معاصرة

الجهة الثانية : معروف أن المصارف المعاصرة تقوم بأعمال كثيرة جدا لا يمثّل القرض والاقتراض إلا بعضا منها ، بل إن للأعمال المصرفية الأخرى كالكفالات والاعتمادات وغيرها ما يفوق القرض والاقتراض أهمية وتأثيرا في الاقتصاد العالمي ، وهي في معظمها مستحدثة بعد عصر التشريع الإسلامي . ولهذا فلا يؤمل وجود نص أو توجيه إسلامي معين يضع المكلف المسلم في الموضع المناسب الذي يبتغيه منه التكليف الإلهي ، كما لا يؤمل وجودها في مباحث السابقين من الفقهاء المسلمين ، حيث لم يعلم عنها شيء في عصور سبقت الانفتاح على مصائب الحضارة الغربية الحديثة ؛ إذ لم تكن محل ابتلاء لهم قبل هذه العصور التي تداخلت فيها المعاملات التجارية لا على الصعيد القطري فقط ، بل العالمي أيضا مما تجاوز الحدود الجغرافية والتشريعية أيضا ، وفرضت نفسها على المجتمعات كلها في شتى بقاع العالم بصورة لم يجد معها التقوقع والانغلاق . والمجتمع الإسلامي كأي مجتمع آخر في هذه الدنيا فرضت عليه هذه المعاملات المصرفية ، وأصبحت محل ابتلاء لكل مكلف شاء هو ذلك أم أبى ، من حيث يعلم أولا يعلم ، وعليه فمن الضروري أن تسمع كلمة التشريع فيها ، ووظيفة رجال الإسلام بيان هذه الكلمة بوضوح تبلغ حجته مسامع الأمة . ولهذا كله كان طبيعيا أن يقع الذين أغلقوا باب الاجتهاد في مأزق حرج ؛ إذ مع فقدان النص الخاص لا بد من استلهام القواعد والأصول والأمارات الشرعية المعروفة لاستنباط الحكم الإلهي منها ، وهو ما لا يمكن لغير الفقيه القيام به . ولأن كثيرا من معاملات المصرف لا يدخل في أحد العناوين المعروفة سابقا لم يوفق أولئك الذين حاولوا اعتبارها من جزئيات تلك العناوين المعروفة في زمن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والسابقين من المسلمين ، ويتعقد الأمر أكثر لو لوحظت تبعية العقود للقصد التعاملي ؛ حيث لا تكون تلك العناوين مقصودة لأي من